شهاب الدين أحمد الإيجي

392

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

ولهوات ، ويسمع لا بحروف « 1 » وأدوات ، يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفّظ ، ويريد ولا يضمر ، يحبّ ويرضى من غير رقّة ، ويبغض ويغضب من غير مشقّة . يقول لما يريد كونه : « كن » فيكون ! لا بصوت ولا نداء يسمع ، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله ، لم يكن قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكن إلها ثانيا ، لا يقال : كان بعد أن لم يكن ، فتجري عليه الصفات المحدثات ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل ، فيستوي الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصّنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ، أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض عيونها ، وخدّ أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قوّاه . هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بمعرفته ، والعالي على كلّ شيء منها بجلاله وعزّته ، لا يعجزه منها شيء طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه ، خضعت الأشياء له ، فذلّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فيمتنع من نفعه وضرّه ، ولا كفو له فيكافيه ، ولا نظير له فيساويه ، هو المفني لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ! وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلّدة أممها وأكياسها ، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها . وإنّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولامكان ، ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ،

--> ( 1 ) . في المصدر : بخروق .